الاقتصاد السعودي المتين يؤكد جاذبيته للشركات بالخليج خلال الحرب

السوق المحلية السعودية والجغرافيا تشكلان حاجزا واقيا خلال الحرب

بعض الشركات الخليجية تستكشف السوق السعودية

الحرب تدفع السعودية إلى التحول من المشاريع الضخمة إلى قطاع الخدمات اللوجستية

السياحة الداخلية تقود تعافي القطاع

موانئ البحر الأحمر تتعامل مع بضائع وشحنات النفط تجنبا لمضيق هرمز

من تيمور أزهري وفيدريكو ماتشيوني ويوسف سابا

- سافرت رائدة الأعمال في مجال تكنولوجيا الأغذية سارة أميني إلى الرياض عندما أرادت أن تعرف أين تنفق الشركات الخليجية أموالها في ظل الحرب على إيران.

ووجدت أميني في السعودية المطاعم مكتظة بمرتاديها والشركات لا تزال تتحدث عن التوسع، على عكس الوضع في دول خليجية أخرى واقعة في مرمى نيران إيران تضرر فيها قطاع الضيافة والمطاعم.

وقالت أميني، التي تتخذ من دبي مقرا لها وتدير منصة للذكاء الاصطناعي تساعد شركات توزيع الأغذية على رقمنة عملياتها وخفض تكاليفها، "عندما آتي إلى السعودية، أشعر أن الأمور تسير كالمعتاد".

وقد لا تسير الأمور كالمعتاد في كل جوانب الاقتصاد السعودي، الذي انكمش بنسبة 1.5 بالمئة في الربع الأول من هذا العام مقارنةً بالأشهر الثلاثة السابقة، نتيجة لتراجع النشاط النفطي.

لكن تفاؤل أميني يُعد مؤشرا على أن المملكة تتجاوز التغيرات الناجمة عن الحرب بشكل أفضل من معظم دول المنطقة، مدعومةً بقاعدة استهلاكية محلية قوية، وتحويل مسار النفط الخام والخدمات اللوجستية إلى موانئ البحر الأحمر لتجنب مضيق هرمز.

وأظهر مسح نشر اليوم الأربعاء أن القطاع الخاص غير النفطي في السعودية شهد أسرع وتيرة نمو له في ثلاثة أشهر خلال شهر مايو أيار، مدفوعا بتحسن الطلب المحلي واستقرار سلاسل التوريد، في حين ظل التفاؤل التجاري ضعيفا وسط الصراع الدائر في المنطقة.

وقال نايف الغيث كبير خبراء الاقتصاد في بنك الرياض في تعليقه على نتائج المسح "كان التحسن مدفوعا بشكل أساسي بزيادة الإنتاج والطلبات الجديدة، ويدعمه تحسن الطلب المحلي واستئناف مشروعات سبق تأجيلها".

وقال وليد حايك المدير الإداري لشركة فاندروك مانكو سعودي، التي تقدم استشارات لصناديق الاستثمار، إنه لاحظ "تسارعا في الطلب على إنشاء الصناديق وزيادة في الاستفسارات من أثرياء في المملكة".

وأضاف "كثير من الناس يحوّلون أموالهم من دول مجلس التعاون الخليجي الأخرى ربما بدافع البحث عن ملاذ آمن".

* تحول في رؤية 2030

تتوافق التغييرات التي أحدثتها الحرب مع تحول في استراتيجية السعودية لتنويع الاقتصاد بعيدا عن النفط في إطار (رؤية 2030) التي أطلقها ولي العهد الأمير محمد بن سلمان بهدف تحقيق تحول مجتمعي وبناء قطاعات جديدة.

وعندما تم إطلاقها قبل 10 سنوات تضمنت الرؤية مشروعات ضخمة تتطلب أموالا طائلة مثل مشروع (ذا لاين) لتطوير مدينة ذكية من الزجاج والصلب بطول 170 كيلومترا ومنتجع للتزلج أُطلق عليه اسم (تروجينا) كان من المقرر أن ينقل مياه محلاة لمسافة تزيد على 1000 متر فوق الجبل ضمن مشروع لإنتاج الثلج.

لكن صدرت في إبريل نيسان خطة استراتيجية جديدة للفترة من 2026 إلى 2030 تجاهلت مثل هذه المشاريع أو تقلصها بشكل كبير وتركز على قطاعات يُرجى تحقيق عوائد منها مثل السياحة والصناعة والذكاء الاصطناعي واللوجستيات. وتأتي معظم هذه الاستثمارات من صندوق الاستثمارات العامة، وهو صندوق الثروة السيادي للمملكة.

وقال جاستن ألكسندر محلل شؤون الخليج لدى جلوبال سورس بارتنرز والمدير في خليج إيكونوميكس "فيما يتعلق بأولويات المشاريع، نشبت الحرب في وقت حرج كان صندوق الاستثمارات العامة يدرس فيه بالفعل كيفية إعادة ضبط استراتيجيته الاستثمارية".

وتستفيد بعض الشركات المحلية بالفعل من هذا التحول.

وقال عبد الرحمن النملة المؤسس المشارك لمنصة (سرداب) التكنولوجية، التي تتخذ من الرياض مقرا لها وأُنشئت في عام 2021 لتوفير خدمات التخزين والنقل حسب الطلب للشركات الصغيرة، "كانت هناك خطة ضمن رؤية 2030 لضخ استثمارات في قطاع الخدمات اللوجستية، وما يحدث اليوم يساعد بالأساس على تحقيق هذه الأهداف أو تسريعها".

وأضاف أنه منذ اندلاع الحرب في آخر فبراير شباط يتلقى مكالمات يومية من عملاء جدد يسعون إلى تخليص الحاويات وشحن الحاويات من جدة وموانئ البحر الأحمر الأخرى إلى أنحاء الخليج مشيرا إلى أن ذلك تيسر بفضل مبادرة سعودية في زمن الحرب للمساعدة في إعادة توجيه شحنات الخليج عبر موانئها على البحر الأحمر.

وتتمثل الأولوية لدى النملة الآن في زيادة عدد موظفي شركته، الذين يبلغ عددهم الآن 50، لمواكبة نمو الأعمال.

وتشهد أيضا منتجعات سياحية على البحر الأحمر زيادة في الطلب بعد أن كانت تعاني في السابق من صعوبة في شغل الغرف. ويأتي معظم الطلب من مقيمين في السعودية يرغبون في قضاء عطلات بشكل أيسر أو أكثر أمانا.

وأظهرت بيانات جيه.إل.إل العقارية أن متوسط معدل إشغال الفنادق على مستوى البلاد بلغ 66.3 بالمئة في الفترة من يناير كانون الثاني إلى مارس آذار، بزيادة تقارب ثلاث نقاط مئوية على أساس سنوي. وفي المقابل توقعت موديز أناليتكس أن ينخفض معدل إشغال الفنادق في دبي إلى نحو 10 بالمئة في الربع الثاني، مقارنة مع 80 بالمئة في فبراير شباط.

وأشار تقرير صدر عن وزارة السياحة السعودية إلى ارتفاع عدد السائحين في المملكة، سواء من الخارج أو الداخل، ثمانية بالمئة في الربع الأول من عام 2026 مقارنة بالعام السابق ليصل إلى 37.2 مليون سائح مشيرا إلى أن الرحلات الداخلية عوضت انخفاضا 13 بالمئة في عدد الزوار من خارج المملكة.

غير أن ارتفاع الإنفاق العسكري وغيره من الإنفاق الحكومي وانخفاض عائدات النفط أدى إلى تسجيل المملكة عجزا في الميزانية في الربع الأول بلغ 33.5 مليار دولار، وهو ما يتجاوز التوقعات بفارق كبير.

* "شريان الحياة الحيوي"

قال متحدث باسم وزارة المالية إن العجز الأوسع نطاقا كان انعكاسا لتأخر مؤقت في التدفقات النقدية مع الإسراع في المضي قدما في تنفيذ استثمارات بهدف تخفيف تأثير الصراع.

وتعرضت المملكة منذ بدء الحرب على إيران لهجمات بمئات الطائرات المسيرة والصواريخ الإيرانية، مما أضر بالبنية التحتية النفطية، كما تضررت صادراتها بسبب إبقاء طهران مضيق هرمز في حكم المغلق.

وقال أمين الناصر الرئيس التنفيذي لشركة أرامكو السعودية إن إعادة توجيه مسار النفط الخام إلى موانئ السعودية على البحر الأحمر لتجنب المضيق كان "شريان حياة بالغ الأهمية".

ويرى محللون أنه رغم انخفاض حجم الصادرات، فإن ارتفاع أسعار النفط يساعد في تعويض الخسارة، كما أن التوقعات آخذة في التحسن.

وقالت مونيكا مالك كبيرة خبراء الاقتصاد في بنك أبوظبي التجاري "أصبح من الواضح أن ارتفاع أسعار النفط سيعوض بفارق أكبر انخفاض حجم الصادرات السعودية بسبب إغلاق إيران لمضيق هرمز".

(الدولار = 3.7531 ريال)