تحقيق-الاستثمار في الطاقة النظيفة رهان المغرب للوصول إلى الاكتفاء الذاتي
من زكية عبدالنبي
الرباط 28 يناير كانون الثاني (رويترز) - اتجه المغرب خلال السنوات الماضية إلى تعزيز الاستثمار في مصادر الطاقة البديلة في محاولة للحد من اعتماده شبه الكامل على الطاقة الأحفورية، إذ يستورد معظم حاجاته من الطاقة، ما يضغط على الميزان التجاري ويرفع فاتورة الطاقة.
وبلغت قيمة هذه الفاتورة نحو 114 مليار درهم (12.2 مليار دولار) في 2024، وقاربت 99 مليار درهم في 2025، وهو ما دفع البلاد إلى الإسراع في تقليص هذا الاعتماد. ففي عامي 2024 و2025 حقق المغرب تقدما كبيرا في مجال الطاقة المتجددة، بعد أن وصلت قدرته الإنتاجية إلى 5.6 جيجاوات، ليصبح من بين الدول الأكثر تقدما في هذا القطاع في قارة أفريقيا.
* سيادة الطاقة
قالت الحكومة المغربية إنها رفعت حصة الطاقات المتجددة في مزيج الطاقة بأكثر من تسعة بالمئة لتشكل ما يزيد على 46 بالمئة في 2025.
وقالت ليلى بنعلي وزيرة الانتقال الطاقي والتنمية المستدامة في الحكومة المغربية أمام البرلمان في ديسمبر كانون الأول الماضي إنه في 2023 "ضاعفنا الاستثمارات ثلاث مرات في الطاقات المتجددة سنويا، وخمس مرات في الشبكة الكهربائية التي تمكننا من استيعاب الطاقة النظيفة".
وضاعف المغرب الاستثمارات الخاصة في الطاقات المتجددة أربع مرات، لتصل إلى 29 مليار درهم (3.1 مليار دولار تقريبا) منذ 2021، مقابل 20.8 مليار درهم خلال العقد السابق.
وتهدف البلاد إلى رفع نسبة الطاقة المتجددة إلى 52 بالمئة من مزيج الطاقة الكهربية بحلول 2030.
بدأ المغرب مساره نحو الطاقة النظيفة في 2009 من خلال الاستثمار في مصادره الطبيعية خاصة الطاقة الشمسية وطاقة الرياح، وتم إطلاق محطة نور في ورزازات جنوب البلاد، وهي أكبر منشأة للطاقة الشمسية المركزة بالعالم بقدرة إنتاجية إجمالية تصل إلى نحو 580 ميجاوات.
كما سعى إلى إنشاء محطات شمسية أخرى منها مشروع نور ميدلت بوسط البلاد لكنه لم يبدأ العمل بعد.
ورفع المغرب قدرته الإنتاجية من الطاقة الشمسية إلى 831 ميجاوات رغم أن الخطة الأولية كانت تهدف إلى بلوغ 2000 ميجاوات في 2020، لكن مشكلات تقنية عطلت التنفيذ، وفق مصادر تحدثت لرويترز.
وصل عدد مشاريع الطاقة المتجددة في المغرب المنجزة أو قيد التطوير حتى عام 2025 نحو 111 مشروعا بقدرة إجمالية مركبة تبلغ 3950 ميجاوات، بينها 1430 ميجاوات من الطاقة الشمسية وطاقة الرياح، و1770 من الطاقة الكهرومائية.
ورغم التوسع في محطات طاقة الرياح، لا تزال محطات الفحم تشكل الجزء الأكبر من الإنتاج. وتستهدف خطة البلاد التخلص التدريجي من الفحم في توليد الكهرباء بحلول عام 2040. وانضم المغرب في عام 2023 إلى تحالف دعم التخلي عن الفحم في توليد الطاقة، الذي يضم نحو 60 دولة.
* تحديات البنية التحتية
قال الخبير الاقتصادي المتخصص في التنيمة سامي أمين لرويترز " بالرغم من التقدم الحاصل، فلا يزال هناك العديد من التحديات التي تواجه المغرب في استغلال واستعمال الطاقات البديلة".
وأوضح أن "الشبكة والمرونة" تأتي على رأس هذه التحديات و"ليس فقط بناء محطات... فالمغرب يوسع إنتاج الطاقة المتجددة بسرعة، لكن ذلك يتطلب شبكة نقل أقوى مع مرونة التخزين" مؤكدا أهمية الاستثمار في تحديث الشبكة الكهربائية.
وأضاف أن "كل ميجاوات إضافي من الطاقة الشمسية أو الريحية قد يتحول إلى فائض غير مستغل خلال ساعات الذروة ما لم تتوفر مرونة كافية للتخزين"، واعتبر أن الانتقال الطاقي ليس ملفا بيئيا فقط بل "قضية سيادة اقتصادية وتقليل لنزيف العملة الصعبة".
وأشار إلى أنه في 2022 وصلت الواردات من الطاقة 94 في المئة، بحسب الوكالة الدولية للطاقة المتجددة.
* الربط الكهربائي والتكامل الإقليمي
يضع المغرب الربط الكهربائي ضمن أولوياته الاستراتيجية وحقق نجاحات في هذا المجال مؤخرا أبرزها خط الربط الكهربائي مع إسبانيا.
أتاح المغرب لإسبانيا استخدام 38 في المئة من قدرته الإنتاجية من الكهرباء للمساعدة في إعادة التيار خلال الانقطاع الواسع الذي شهدته في أبريل نيسان من العام الماضي.
وفي فبراير شباط من العام الماضي وقع اتفاقا للربط الكهربائي مع موريتانيا بهدف إنشاء شبكة كهرباء تربط غرب أفريقيا بأوروبا، كما يعمل على مشروع ربط مع البرتغال بميزانية تقارب 437 مليون دولار.
ترى الحكومة أن تعزيز الربط الطاقي وتنمية الطاقات المتجددة يأتيان ضمن رؤية أوسع للاندماج الإقليمي. وقال سامي أمين إن "الطاقة البديلة في المغرب تعتبر مشروع سيادة قبل أن تكون مشروع كهرباء إذ تهدف إلى حماية الاقتصاد من تقلبات الأسواق وتحويل الطاقة إلى أصل استراتيجي قابل للتسعير والتمويل والرهن".
وأضاف "من يملك كهرباء أرخص وأكثر استقرارا يربح الصناعة والتصدير والبيانات والهيدروجين، وبالتالي فنحن نتكلم عن سيادة تنافسية".
* الهيدروجين الأخضر
يخطط المغرب لإنتاج ثلاثة ملايين طن من الهيدروجين الأخضر سنويا بحلول 2030 مستهدفا أربعة في المئة من الطلب العالمي. وفي عام 2024 وقع شراكة مع ألمانيا لإنتاج نحو 10 آلاف طن من الهيدروجين سنويا، أي ما يكفي لإنتاج 50 ألف طن من الصلب المُنتج باستخدام الطاقة النظيفة.
وبحسب بيانات الاتحاد الدولي للغاز، تبلغ تكلفة إنتاج الهيدروجين الأخضر في المغرب نحو 4.6 دولار للكيلوجرام الواحد.
وقال عمر المنقاشي وهو أستاذ جامعي وخبير مغربي متخصص في الهيدروجين الأخضر لرويترز إن المغرب بحاجة إلى الإسراع في حلول التخزين وتحويل الطاقة المتجددة إلى هيدروجين أخضر معتبرا ذلك خطوة رئيسية لتعزيز الأمن الطاقي.
وأضاف أن البلاد تمتلك مقومات مهمة، منها الموارد الطبيعية والرؤية الاستراتيجية، لكنها تحتاج إلى التركيز على تطوير الصناعات المرتبطة بالطاقة النظيفة، ودعم البحث العلمي، وتعزيز البنية التحتية وتنويع الشراكات.
وأشار إلى أن التحدي الأكبر يكمن في "رأس المال البشري والابتكار المحلي"، مؤكدا ضرورة الاستثمار في تدريب الكفاءات التقنية المتخصصة في مجالات تخزين الهيدروجين والأمونياك الأخضر.
