زاوية - أخبار: بورصة الكويت في 2026: سوق يعيد تموضعه بين الضغوط الجيوسياسية وعودة السيولة المؤسسية
فادي قانصو
تحدثنا في مجموعة تقارير سابقة عن تاريخ وتطور بورصة الكويت ونختم هذه السلسلة بتحليل معمق عن أداء السوق هذا العام.
يناير
شهدت أسواق خليجية عدة انطلاقة قوية في أول شهور العام، بدعم من تحسن أسعار النفط، نتائج الشركات وتوقعات أكثر وضوحاً وقتها بشأن أسعار الفائدة.
على الجهة المقابلة خالفت بورصة الكويت الاتجاه الصاعد لمعظم أسواق الخليج، إذ سجل مؤشر السوق العام تراجع شهري بنسبة 3.8%، فيما انخفض مؤشر السوق الأول بنسبة 3.9%، ومؤشر السوق الرئيسي بنسبة 3.4%، ومؤشر "السوق الرئيسي 50" بنسبة 1.9%.
وجاء هذا الأداء في وقت سجل فيه مؤشر MSCI GCC أحد أقوى ارتفاعاته الشهرية منذ سنوات، ما يبرز أن تراجع الكويت لم يكن جزء من موجة هبوط إقليمية عامة، بل عكس بدرجة أكبر عمليات جني أرباح وانتقائية في المراكز، خصوصاً في الأسهم القيادية وبعض القطاعات الحساسة للتقييمات.
هذا التباين في يناير مهم لفهم طبيعة السوق الكويتية. ففي حين استفادت بعض الأسواق الخليجية من الارتفاع القوي في أسعار النفط والزخم الإيجابي في أسهم البنوك والطاقة، بدا أن المستثمرين في الكويت اختاروا مقاربة أكثر حذراً.
وقد أظهر الأداء القطاعي أن التراجع كان واسع النطاق، مع اقتصار المكاسب على عدد محدود من القطاعات مثل الطاقة والاتصالات، مقابل ضغوط واضحة على قطاعات مثل السلع الاستهلاكية، التكنولوجيا والخدمات المالية.
من هنا، يمكن القول إن يناير كان شهر إعادة ضبط أكثر منه شهر ضعف هيكلي، إذ أعاد المستثمرون تقييم مستويات الأسعار بعد مكاسب سابقة، وبدأوا في اختبار قدرة السوق على امتصاص التقلبات الإقليمية.
فبراير
بدأت الصورة تتحسن تدريجياً، ولو بصورة محدودة.
فقد أغلق مؤشر السوق العام لبورصة الكويت على ارتفاع طفيف بنسبة 0.1%، بدعم من ارتفاع محدود في مؤشر السوق الأول بنسبة 0.3%، بينما ظل الضغط قائم على مؤشر السوق الرئيسي ومؤشر "السوق الرئيسي 50".
ويكتسب هذا التطور أهميته من كونه جاء بعد هبوط يناير، ما يشير إلى بداية استقرار في الأسهم القيادية، لاسيما تلك التي تحظى بمتابعة أكبر من المستثمرين المؤسسين.
كما شهد الشهر مراجعة سنوية من بورصة الكويت أدت إلى ترقية عدد من الشركات من السوق الرئيسي إلى السوق الأول، ليرتفع عدد شركات السوق الأول إلى 38 شركة، وهو تطور يعزز عمق السوق ويزيد من وضوح معايير الإدراج، السيولة، الحوكمة ومن قابلية استقطاب المستثمرين المؤسسين.
هذه النقطة محورية في قراءة تموضع بورصة الكويت.
فترقية الشركات إلى السوق الأول لا تمثل حدث فني فقط، بل تعكس انتقال تدريجي نحو سوق أكثر مؤسسية.
السوق الأول عادة ما يكون محور اهتمام الصناديق، مديري الأصول، والمستثمرين الأجانب، لأنه يضم الشركات الأكبر حجماً والأعلى سيولة والأكثر التزاماً بمتطلبات الإفصاح.
وبالتالي، فإن توسيع قاعدة هذا السوق يساهم في تحسين قابلية الاستثمار، ويخلق فرص لإعادة توزيع السيولة من الأسهم الأقل عمقاً إلى أسهم تتمتع بمستويات أعلى من الشفافية والتداول.
مارس
شهر اختبار السوق الحقيقي مع تصاعد الحرب والتوترات في الشرق الأوسط.
حيث شهدت الأسواق العالمية تراجعات واسعة، وخسر مؤشر MSCI World نحو 7.4% خلال الشهر، في حين تعرضت الأسواق الناشئة والمتقدمة على حد سواء لضغوط قوية نتيجة المخاوف من اتساع نطاق النزاع، ارتفاع أسعار الطاقة، وتراجع توقعات خفض الفائدة.
وعلى الرغم من ذلك، أظهرت أسواق الخليج درجة من الصمود النسبي، إذ تراجع مؤشر MSCI GCC 2.6% فقط، مدعوماً بارتفاعات في السعودية وعُمان عوضت جزء من خسائر الأسواق الأخرى.
وفي هذا السياق، سجلت بورصة الكويت أقل تراجع شهري بين أسواق الخليج، بانخفاض مؤشر السوق العام بنسبة 1.8% فقط، بعد تعافٍ ملحوظ في نهاية الشهر.
هذا الأداء عكس قدر من الصمود النسبي، كما أشار إلى أن السوق كان قد استوعب جزء من الضغوط في يناير وفبراير، ما خفف حدة الهبوط خلال ذروة التوترات، ناهيك عن أن ردة فعل المستثمرين في الكويت كانت دفاعية ومنظمة نسبياً، وليست اندفاعية.
ومن أبرز أحداث مارس إعلان إدراج شركة ترولي للتجارة العامة في السوق الأول ضمن قطاع السلع الاستهلاكية. ويكتسب هذا الإدراج أهمية خاصة لأنه يأتي في فترة اضطراب إقليمي، ما يعكس استمرار قدرة السوق على تنفيذ خطوات حتى في ظل بيئة غير مستقرة. فالأسواق الناضجة لا تُقاس فقط بأدائها السعري، بل بقدرتها على مواصلة الإدراجات، توسيع قاعدة الشركات، وتعزيز تنوع القطاعات المدرجة حتى في الأوقات الصعبة.
صحيح أن التراجع شمل معظم قطاعات السوق، وأن مؤشر "السوق الرئيسي 50" سجل انخفاض أكبر بلغ 4.3%، مقابل تراجع مؤشر السوق الأول بنسبة 1.6%، إلا أن محدودية الهبوط مقارنة بأسواق خليجية أخرى تعكس وجود قاعدة سيولة قادرة على امتصاص الصدمات، خصوصاً في الأسهم القيادية، البنوك والاتصالات.
كما أن بقاء السوق تحت ضغط منذ بداية العام، مع تراجع مؤشر السوق العام بنسبة 5.5% خلال الربع الأول، جعل بعض الأسعار أكثر جاذبية مع نهاية مارس، ممهداً لارتداد أقوى في أبريل وهو ما سنتحدث عنه بالتفصيل + الأداء حتى نهاية النصف الأول من العام في تقرير تالي.
(إعداد: فادي قانصو، الأمين العام المساعد ومدير الأبحاث في اتحاد أسواق المال العربية، خبير اقتصادي وأستاذ جامعي، تحرير: ياسمين صالح)
#تحليلسريع
للاشتراك في تقريرنا الأسبوعي الذي يتضمن تطورات الأخبار الاقتصادية والسياسية، سجل هنا
بيان إخلاء مسؤولية منصة زاوية
يتم توفير مقالات منصة زاوية لأغراض إعلاميةٍ حصراً؛ ولا يقدم المحتوى أي نصائح قانونية أو استثمارية أو ضريبية أو أي آراء تتعلق بملاءمة أو قيمة ربحية أو استراتيجية سواء كانت استثمارية أو متعلقة بمحفظة الأعمال . للشروط والأحكام
