معرض علي شمس الدين في بيروت.. الأمل يشتبك مع العنف في حوار نازف
بيروت 26 سبتمبر أيلول (رويترز) - تدخل آثار حروب المدن ومآسي مواطنيها إلى لوحات الرسام اللبناني علي شمس الدين في معرضه "ضوء في ظل الخراب" الذي افتتحه في بيروت معلنا من خلاله "إعلاء الضوء والأمل على السواد".
وفي صالة للمعارض في الجميزة ترتفع لوحات يتشح بعضها باللون الأسود الذي يشتبك مع الألوان الوردية.
بدأ شمس الدين في رسم لوحاته قبل عامين حيث اقتحمتها الحرب في غزة واحتلت بعض عناوينها ثم تراكمت معها معاناة دول وشعوب أخرى من ضمنها لبنان.
واعتبر شمس الدين أن فقدان الأمل والحزن الشديد كان هو الطاغي على رسوماته سابقا والتي وصفها "بالكئيبة"، لكنه أضاف إليها اليوم "الأمل على الرغم من اتساع المأساة والدم المسفوك والجحيم المفتوح على رؤوس الأحياء".
ولا تميز ريشة شمس الدين بين جحيم وآخر إن كان في لبنان أو سوريا أو في السودان أو في فلسطين "وفي القلب منها غزة، مأساة غزة لا تحتاج إلى شرح، لكني أصرّيت على أن أقارب الموضوع من زاوية مختلفة".
ويرى شمس الدين في مقابلة مع رويترز خلال افتتاح معرضه أمس الخميس أن العنف والألم والشر الكبير لا يوصف ولا يُجسَّد في لوحات تعبيرية لأن حقيقته أصعب من أي قدرة على الوصف، فاختار الذهاب إلى "التفاصيل التي نلاحظها في عيون الناس وهم يتعرضون لهذا الألم والعنف، نلاحظ هناك الخوف لكن نلمس أيضا الإصرار على الاستمرار والبقاء، فنعثر على أرواح مشتّتة لكنها غير منكسرة تماما، نرى الأجساد المجرَّحة التي تعرضت لكل هذا العنف وما زالت تقف على قدميها، صحيح في ناس ماتوا لكن في ناس بعدهم واقفين والأمل أجمل، ولن يستطيع العنف أن يدمر أحلام الناس".
شمس الدين (69 عاما) هو ابن الجنوب اللبناني، وحاز على جائزة معرض الشارقة الدولي للكتاب عام 1996 عن كتاب "صديقي الذي يحبني كثيرا"، وحائز على جائزة الكتب المصوَّرة من معهد اليونسكو الثقافي لشرق آسيا في اليابان عن رسوم وإخراج كتاب "المولود الجديد" عام 1994.
وجاء في منشور تعريفي عن المعرض أن الرسام في هذه اللوحات "لا يقارب الشر كما هو في حقيقته، قاتم وقاتل وعنيف، بل هي محاولة الاقتراب بخجل واحترام من الذين يعبرون الحروب بأجسادهم الهشّة وأرواحهم التي لم تنكسر، وفي غبار هذا الخراب الكبير يشتبك اللون مع العنف في حوار نازف وخفي تاركا ندوبه على سطح القماشة البيضاء".
ولدت بعض لوحات شمس الدين في بلدته عربصاليم الواقعة في جنوب لبنان عندما كانت الحرب قد دارت رحاها وعكس دخانها لونه على جدارياتها ليظهر الأسود وقد غطى سماءها.
يقول "كان القصف قربنا، إلا إني ما عكست العنف وعكست الأمل، ما أردت للوحة تكون سوداوية، هيدا الشي واضح، منطلّع عاللوحات من بعيد منشوف الألوان المريحة الحلوة، بس لما نقرّب منشوف هالعلاقة الجدلية بين المأساة والفرح".
وإلى عمق هذه المأساة تتسلل قماشة إلى اللوحات تأخذ لون وشكل "الكوفية الفلسطينية" لتنضم إلى المأساة والأمل معا.
وتوافد على المعرض عدد من رواد الفن والرسم والإعلام.
وقال ماهر العطار صاحب قاعة (آرت ديستركت) التي أقيم المعرض فيها لرويترز إنه كان في حالة انبهار لدى استضافته لوحات شمس الدين لما فيها من رسالة تعالج العنف بالفرح، وأضاف "من خلال هالمكعبات والمجسمات الملونة بيحاول شمس الدين يرسم هالرسالة اللي بتعنينا كلنا كلبنانية وكشعوب عربية عايشين هالمرحلة من الوجع اللي فينا نقرأه بطريقة إيجابية".
وترى الصحفية حنان عيسى وهي من أصول فلسطينية أن ما لفتها في معرض شمس الدين "علم فلسطين وكوفيتها. شاهدت الكوفية واضحة كثيرا داخل اللوحة. من جهة بيعطينا أمل، من جهة إنه في غصّة كتير كبيرة، وهكذا يدخل عَاجواتك ( داخلك) إحساس غريب".
وعلى جدران المعرض لوحة حملت عنوان (إذا سقطت يدك فالتقطها) وهي عبارة من قصيدة للشاعر الفلسطيني الراحل محمود درويش حيث تظهر المعركة الصاخبة يدخل فيها اللون واليد والطيور ورغبة الولادة والبقاء.
وعلّق الشاعر ومقدم البرامج زاهي وهبي على اللوحات قائلا "السواد والعنف والحرب والدمار ليس فقط في الأمكنة، فهناك دمار في الوجدان والضمير والإنسان بسبب الوحشية اليوم والتي تحكم العالم كله وما يحيط فينا من غزة إلى لبنان إلى سوريا إلى اليمن إلى ليبيا، يعني خراب عربي كبير للأسف، لكن معالجة الموضوع نراها هنا من خلال ألوان مبهجة ومفرحة كأنها نافذة يعني بتقول إنه مش لازم نفقد الأمل، كأنه بصيص ضوء بآخر النفق".
وما استوقف النحّاتة كارول أنجا لدى مشاهدتها اللوحات أن الرسام شمس الدين حمل فكرته وجسّدها ووضع عناوين لها "وعنده ألوان نظن إنه مش معقول يلبقوا مع بعضهم لكن هو ما بعرف كيف مركّبهم وكله بيزبط، هيك نرى إنه معالج الموضوعات القاسية بهالطريقة الجاذبة لحتى يتلقاها الواحد ويفهمها أكثر".
وشرح نجله الصحفي آدم شمس الدين لرويترز كيف يجلس والده في جبل الرفيع في الجنوب والذي يتعرض لغارات إسرائيلية باستمرار ويرسم من عمق الأرض وعلى دراية كاملة بكل ما يحدث حوله من حرب ودمار، غير منفصل بواقعه الفني عن محيطه.
ويقول "كنت أحس فيه حتى خلال تنفيذ اللوحة بحسب الظرف والمحيط الذي كان عم يمر فيه، سواء من الحرب اللي كنا عم نعيشها أو تأثيراتها الشخصية عليه، أحس في نمط عم بيتغيّر، يعني في ألوان عم بتصير بتطغى على ألوان ثانية. فكان هيدا بالنسبة إلي أكبر دليل على إنه يحوّل كل الغضب وكل الحب وكل ما يحيط فيه ويؤثر عليه من مشاعر إلى ترجمة لونية بلوحاته، ولهذا رفض الانسحاب من ضيعته (قريته) وأراد يعيش الحرب كما يعيشها الآخرون".
وهذا هو المعرض الثاني لشمس الدين بعد أن أقام منذ عامين معرضا تحت عنوان "اللا مكان والزمن المفقود" وفيه أجرى محاكاة بالريشة الناطقة لأزمات الانهيار والتشرّد والنزوح وأطلق ما سمّاه "ثورة لونية".
يستمر معرض "ضوء في ظلال الخراب" حتى 11 أكتوبر تشرين الأول المقبل.
(إعداد ليلى بسام للنشرة العربية - تحرير سها جادو)
