ما هي العوامل التي تُحدث تحولاً في اقتصاد البحرين؟
تُعيد البحرين، إحدى أصغر دول مجلس التعاون الخليجي، تشكيل مستقبلها الاقتصادي بهدوء ولكن بحزم. فبعد أن اشتهرت بإرثها النفطي ودورها كمركز مالي إقليمي، تخوض هذه المملكة الجزيرة اليوم تحولاً أوسع نطاقاً مدفوعاً بالتنويع الاقتصادي، والاستثمار في البنية التحتية، والإصلاحات التنظيمية، ورؤية وطنية استشرافية. وفي وقتٍ تُعيد فيه اقتصادات الخليج النظر في نماذج النمو، يُقدّم نهج البحرين دراسة حالة مُلهمة في التكيف الاستراتيجي.
التحول من الاعتماد على النفط
لعقود طويلة، شكلت عائدات النفط والغاز ركيزة أساسية للمالية العامة في البحرين. قبل الجائحة، كانت المحروقات تمثل نحو 81% من إيرادات الحكومة. وبحلول عام 2022، انخفضت هذه النسبة إلى حوالي 62.6%، مما يعكس خيارات سياسية مدروسة لتوسيع مصادر الدخل غير النفطية. وقد ساهمت إجراءات مثل فرض ضريبة القيمة المضافة بنسبة 10% وإصلاحات مالية أوسع نطاقًا في استقرار الإيرادات مع الحد من تأثرها بتقلبات أسعار الطاقة.
لا يتعلق هذا التحول بالتخلي عن النفط بين عشية وضحاها، بل ببناء القدرة على الصمود. وقد أدركت قيادة البحرين أن الاستقرار على المدى الطويل يعتمد على تنمية قطاعات قادرة على توليد نمو مستدام، وفرص عمل، واستثمارات أجنبية تتجاوز قطاع المحروقات.
الخدمات المالية كحجر زاوية للنمو
لا يزال القطاع المالي في البحرين أحد أهمّ نقاط قوتها. وباعتبارها من أوائل المراكز المصرفية في المنطقة، فقد استثمرت البلاد نضجها التنظيمي للحفاظ على قدرتها التنافسية. وفي النصف الأول من عام 2024، نما قطاع الخدمات المالية بنسبة 3.6%، مدعوماً بسياسات استباقية من مصرف البحرين المركزي.
وضعت الهيئة التنظيمية البلاد كبيئة حاضنة للابتكار، من خلال تبني بيئات تجريبية للتكنولوجيا المالية، وأطر عمل مصرفية مفتوحة، وتنظيم الأصول الرقمية والخدمات المتعلقة بالعملات المشفرة. وقد اجتذب هذا التوجه الشركات الناشئة الإقليمية، فضلاً عن الشركات الدولية الباحثة عن بيئة مستقرة ومرنة في آن واحد. ويشهد القطاع المالي، الذي كان يعتمد في السابق على الخدمات المصرفية التقليدية، تطوراً نحو منظومة أوسع تدعم التكنولوجيا والمدفوعات والبنية التحتية الرقمية.
السياحة والضيافة تحتلان مركز الصدارة
برزت السياحة كأحد أبرز محركات التحول الاقتصادي في البحرين. وقد وضعت الحكومة هدفاً طموحاً يتمثل في استقطاب 14.1 مليون زائر بحلول عام 2026، مع توقعات بأن تصل مساهمة السياحة في الناتج المحلي الإجمالي إلى 11.4%. وتستند هذه الأهداف إلى استثمارات ضخمة في البنية التحتية وتطوير الوجهات السياحية.
تُعيد المنتجعات الفاخرة، والمشاريع متعددة الاستخدامات على الواجهة البحرية، والمدن السياحية، تشكيل المشهد السياحي في البلاد. وقد صُممت مشاريع مثل منتجع الساحل، وحصبي، ودرة الفجر، ودرة الهلال، لجذب الزوار ذوي الإنفاق العالي، مع توسيع نطاق عروض البحرين السياحية لتشمل ما هو أبعد من الإقامات القصيرة ورحلات العمل.
يُعدّ تحديث مطار البحرين الدولي عاملاً أساسياً في هذه الاستراتيجية. إذ تساهم عملية التحديث التي تبلغ تكلفتها 1.1 مليار دولار في زيادة الطاقة الاستيعابية السنوية للمسافرين من 9 ملايين إلى 14 مليون مسافر، مما يعزز دور البحرين كبوابة إقليمية ويحسّن الربط الجوي لقطاعي السياحة والتجارة.
التصنيع والتنمية الصناعية
رغم صغر حجم قطاع التصنيع في البحرين مقارنةً بنظيراتها في دول مجلس التعاون الخليجي، إلا أنه يلعب دوراً استراتيجياً في تنويع الاقتصاد. وقد ركزت البلاد على جذب الاستثمارات في الصناعات ذات القيمة المضافة العالية، مثل التصنيع القائم على التكنولوجيا، والخدمات اللوجستية، والأنشطة الصناعية التحويلية.
ساهمت الأنظمة المواتية، وسهولة الوصول إلى الأسواق الإقليمية، والمناطق الصناعية الراسخة في دعم هذا النمو. كما تُسهم الشراكات الاستراتيجية مع الشركات الدولية في ارتقاء البحرين في سلسلة القيمة، مما يجعل قطاع التصنيع ليس قطاعاً يعتمد على الكم، بل مساهماً في الإنتاجية والقدرة التنافسية للصادرات.
البيئة الاقتصادية الحالية
من المتوقع أن ينمو اقتصاد البحرين بنحو 3.5% في عام 2024، مدفوعاً بالقطاعات غير النفطية. كما يُتوقع أن يبقى معدل التضخم منخفضاً عند حوالي 1.0%، مما يوفر بيئة تكلفة مستقرة نسبياً للشركات والمستهلكين.
لا تزال الضغوط المالية قائمة، مع عجز متوقع في الميزانية يبلغ حوالي 3.1% من الناتج المحلي الإجمالي، مما يعكس انخفاض عائدات النفط واستمرار الاستثمار العام. وقد أدت أسعار الفائدة العالمية المرتفعة إلى الحد من الاستهلاك الخاص ونشاط العقارات، لكن يبدو أن صناع السياسات يركزون على تحقيق التوازن بين القيود قصيرة الأجل وأولويات الإصلاح طويلة الأجل.
رؤية 2030 والطريق إلى الأمام
تُوفّر رؤية البحرين 2030 الإطار الاستراتيجي الذي يُوجّه هذه التغييرات، ويتمحور جوهرها حول التنويع الاقتصادي المدعوم بالتحوّل الرقمي. ومن المتوقع أن ينمو سوق تكنولوجيا المعلومات والاتصالات بمعدل نمو سنوي مُركّب قدره 6.7% بحلول عام 2027، مع ظهور فرص إيرادات كبيرة بين عامي 2022 و2026.
تُعدّ الاستدامة ركيزة أساسية أخرى. تواجه البحرين تحديات بيئية، من بينها ندرة المياه والضغط على النظم البيئية البحرية. واستجابةً لذلك، تُشجع الحكومة التقنيات الخضراء، والإدارة الفعّالة للموارد، والتخطيط الحضري المستدام لضمان ألا يأتي النمو على حساب المرونة البيئية.
لا يزال إصلاح سوق العمل قيد التنفيذ. ورغم التقدم المحرز، لا تزال هناك مشكلات قائمة كبطالة الشباب وعدم تطابق المهارات مع متطلبات سوق العمل. وتؤكد رؤية 2030 على خلق فرص العمل، ورفع مستوى مهارات القوى العاملة، وتقريب وجهات النظر بين التعليم واحتياجات السوق لضمان تأهيل البحرينيين للمشاركة في القطاعات الناشئة.
البنية التحتية والاستثمار الاستراتيجي
يُعزز تطوير البنية التحتية هذه الطموحات. وتُحدد خطة المشاريع الاستراتيجية في البحرين استثمارات تتجاوز 30 مليار دولار أمريكي في قطاعات النقل والخدمات اللوجستية والعقارات والبنية التحتية الصناعية. وتهدف هذه المشاريع إلى تعزيز الربط الوطني، وجذب الاستثمارات الخاصة، ودعم القطاعات ذات الأولوية والضرورية للتنويع الاقتصادي.
لا يقل أهمية عن ذلك التركيز على العدالة والمساواة الاجتماعية. وتؤكد رؤية 2030 على النمو الشامل، والحوكمة الشفافة، وحماية المستهلك، وتكافؤ الفرص في التعليم والرعاية الصحية. وتهدف شبكات الأمان الاجتماعي وبرامج التدريب المهني الموجهة إلى ضمان تحقيق التحول الاقتصادي لفوائد واسعة النطاق.
خاتمة
يتشكل التحول الاقتصادي في البحرين من مزيج من الضرورة والاستراتيجية. ففي مواجهة القيود الهيكلية التي تعيق النمو القائم على النفط، اختارت البلاد التنويع والإصلاحات التنظيمية والاستثمار الموجه كمسار للمضي قدماً. وتساهم قطاعات السياحة والتمويل والتصنيع والخدمات الرقمية في إعادة تشكيل المشهد الاقتصادي، بينما تهدف عمليات تطوير البنية التحتية والإصلاحات الاجتماعية إلى الحفاظ على هذا الزخم.
مع سعي البحرين لتحقيق أهداف رؤية 2030، يكمن التحدي في الحفاظ على الانضباط المالي مع مواصلة الاستثمار في القطاعات المستعدة للمستقبل. وإذا استمرت الاتجاهات الحالية، فإن نهج المملكة المدروس والقائم على الإصلاحات قد يضعها في مصاف الاقتصادات الأكثر مرونة وقدرة على التكيف في منطقة الخليج.
تنويه من بنزينغا: هذا المقال من مساهم خارجي غير مدفوع الأجر. ولا يمثل تقارير بنزينغا، ولم يتم تحريره من حيث المحتوى أو دقته.
