تحقيق-كيف تحولت ضواحي باريس إلى مصنع نجوم كرة القدم في فرنسا؟
من جوليان بريتو وفينسن داهيرون
باريس 10 يونيو حزيران (خدمة رويترز الرياضية العربية) - رغم تعطل أحد كشافات الإضاءة في ملعب "جابرييل بيري" منذ أسابيع، ما يترك جزءا من أرضية الملعب غارقا في الظلام، يواصل لاعبو فريق تحت 17 عاما في نادي "إي.إس.نانتير" تدريباتهم بإصرار في أمسية باردة.
وعلى خط التماس، يتابع المدرب جايل ديارا باهتمام اللاعبين المراهقين القادمين من ضواحي باريس القريبة، ممن يخضعون لفترات اختبار، وهم يحاولون لفت الأنظار إلى جانب لاعبي نانتير تحت 17 عاما.
ويقول ديارا في ختام الحصة، بحضور فهد رخاوي، أحد الكشافين "إذا كنتم ترون أنكم قدمتم أفضل ما لديكم الليلة، فلا داعي للعودة يوم الجمعة. أما إن اعتقدتم أن لديكم المزيد لتقدموه، فعليكم العودة".
ورغم عدم امتلاك نانتير لأكاديمية احترافية، فإنه ينافس في أعلى مستويات فئة الشباب في فرنسا، ضمن بطولة تحت 17 عاما الوطنية، وبلغ هذا الموسم دور الثمانية قبل أن يخسر بصعوبة 2-1 أمام باريس سان جيرمان.
ويثير صعود نانتير اهتمام الأوساط الكروية، لا سيما في العاصمة، حيث تهيمن أكاديميات كبرى مثل باريس سان جيرمان وباريس إف.سي ورد ستار على مشهد تطوير المواهب.
كما يقدم النادي نافذة على التحولات الأوسع في كرة القدم الفرنسية، في بلد يعود مجددا ضمن المرشحين للتألق في كأس العالم التي تنطلق في 11 يونيو حزيران.
وكان منتخب فرنسا، الذي توج بكأس العالم 1998، رمزا نابضا لتعددية ثقافية جسدها مزيج من اللاعبين من خلفيات متنوعة. غير أن هذا الشعار أخفى في طياته تحديات أكثر عمقا، تتعلق بعدم المساواة والتمييز، والتي استمرت آثارها لسنوات بعد انقضاء نشوة التتويج.
* باريس في الصدارة
بعد نحو ثلاثة عقود، تغيرت خريطة المواهب في فرنسا. فلم يعد الإنتاج الكروي محصورا في مناطق محددة، بل بات يعتمد بدرجة كبيرة على ضواحي باريس، حيث تنتشر أحياء الطبقة العاملة وأبناء المهاجرين، وحيث تحولت كرة القدم إلى الحلم الأبرز.
ويشير ذلك إلى أن نحو 23 في المئة من لاعبي المنتخب الفرنسي لعام 2026 ولدوا في منطقة باريس، أي ما يقارب ثلاثة أضعاف النسبة المسجلة عام 1998.
ويقول داميان دوران، مهاجم نادي رد ستار "بصراحة، لا داعي للبحث بعيدا... معظم أفضل اللاعبين في فرنسا يأتون من هنا". ويضيف "يمكن تقريبا تشكيل منتخب وطني كامل من لاعبي منطقة إيل-دو-فرانس".
ومن أبرز الأمثلة، نشأ قائد المنتخب كيليان مبابي في ضاحية بوندي شمال شرق باريس، إلى جانب زملائه وليام ساليبا وراندال كولو مواني. كما تعد مناطق مثل سيفران وأولناي-سو-بوا ومونتفرميل وتراب وأرجنتوي محطات رئيسية في مسار المواهب نحو النخبة.
وهذا التنوع، المرتبط في جزء منه بموجات الهجرة المتعاقبة، أفرز ظاهرة اللاعبين مزدوجي الجنسية، حيث يمتلك العديد منهم خيار تمثيل منتخبات أخرى.
وفي الواقع، من بين 1248 لاعبا مشاركا في كأس العالم هذا العام، ولد 4.3 في المئة منهم في باريس، وهو رقم يفوق بكثير أي مدينة أخرى وفقا لشركة أوبتا للإحصاءات الرياضية.
وفي عام 2011، اهتزت كرة القدم الفرنسية على وقع ما عُرف "بقضية الحصص" بعدما وجهت اتهامات لمسؤولين كبار في الاتحاد الفرنسي بمناقشة فرض قيود على اللاعبين مزدوجي الجنسية في الأكاديميات، وسط مخاوف من أن فرنسا تستثمر بكثافة في تطوير لاعبين قد يختارون لاحقا تمثيل منتخبات أفريقية.
ويقول مدرب نانتير جايل ديارا "إلى حد ما، تستفيد فرنسا من ماضيها الاستعماري"، فيما يشير إيف جيرجو، المسؤول السابق في باريس إف.سي، إلى أن تأثير الهجرة قديم ومتجذر "كرة القدم الفرنسية بُنيت على موجات متعددة من المهاجرين، من الإيطاليين والبولنديين إلى القادمين من أفريقيا".
"كرة القدم تبدأ من الشارع"
نشأ جيرجو (52 عاما) في ضاحية بوبيني، حيث كانت المباريات المرتجلة في الساحات والأماكن الضيقة مدرسة حقيقية لصقل المهارات.
وقال جيرجو "كل ما تحتاجه هو كرة… كرة القدم تبدأ من الشارع" مضيفا "اللعب في مساحات ضيقة يعلم الأطفال التفكير تحت الضغط وحل المشكلات، كما أن التنافس في هذه البيئات يعزز القوة الذهنية".
ومع ذلك، يرى أن النظام الحالي يفرز عددا كبيرا من اللاعبين مقارنة بفرص الاحتراف المحدودة، مؤكدا "من المستحيل حسابيا أن ينجح الجميع".
وفي ظل انتشار الكشافين داخل باريس، تتزايد الفرص لكنها ترافقها ضغوط كبيرة. ويواجه المدربون تحديا في تحقيق التوازن بين الطموح والراحة النفسية للاعبين.
ويحذر ديارا من تغير الدوافع، قائلا "أصبح المال المحرك الأساسي لدى البعض، وأحيانا حتى لدى أولياء الأمور… بينما كان الأمر في السابق قائما على الشغف".
وعلى أرض الملعب، يواصل المدافع الشاب جيوفاني لوكيبا، البالغ 17 عاما، مطاردة حلمه باللعب لأندية كبرى مثل باريس سان جيرمان، مدفوعا بطموح الوقوف أمام الجماهير في ملاعب عالمية.
أما ليلى لخميس، والدة أحد اللاعبين، فترى في كرة القدم وسيلة للحماية بقدر ما هي طموح، قائلة "هي انضباط… تبقي الأطفال بعيدا عن الانحراف".
ورغم إدراكها قسوة الطريق، تضيف "الأصعب هو التوازن بين الحلم والواقع… فالقلة فقط تصل إلى الاحتراف".
ومع استمرار التدريبات تحت الأضواء الخافتة في "جابرييل بيري"، يبقى المشهد معبرا.. صعوبات لا تُخمد الحلم، ومدرب يراقب، وأمل لا يزال حيا.
