تحليل-لا اتفاق ولا مخرج...كيف ينذر الجمود بين أمريكا وإيران بتجدد الصراع؟

الصراع بين أمريكا وإيران... حرب استنزاف لا يبدو في الأفق أي مخرج منها

الحصار الأمريكي وسيطرة إيران على مضيق هرمز يفاقمان الأزمة الاقتصادية

خطوط إيران الحمراء... الصواريخ والأسلحة النووية ومضيق هرمز هي أدوات للبقاء

الفجوات شاسعة... أمريكا تريد وقفا للبرنامج النووي 20 عاما وإيران ترفض

كل طرف يعتقد أن الزمن في صالحه وهذا الوهم هو الخطر

من سامية نخول وباريسا حافظي

- بعد ثلاثة أشهر من شن الولايات المتحدة وإسرائيل هجوما على إيران، أدى الحصار الأمريكي وسيطرة طهران على مضيق هرمز إلى وصول الأوضاع إلى طريق مسدود مع عدم تقديم أي من الطرفين تنازلات وتفاقم المعاناة الاقتصادية وتزايد خطر اندلاع حرب جديدة.

ولا يتمثل القلق المتزايد بين صانعي السياسات فيما إذا كان الاتفاق قريبا، بل في المدة التي يمكن أن يستمر فيها هذا التوتر قبل أن يؤدي سوء تقدير من جانب واشنطن أو طهران إلى تجدد الصراع.

وتتزايد الدعوات في أمريكا وإسرائيل لشن ضربة جديدة حيث يرى بعض المسؤولين أن زيادة الضغوط قد تضعف نفوذ طهران وتجبرها على العودة إلى طاولة المفاوضات.

وقال داني سيترينوفيتش، كبير الباحثين في شؤون إيران بمعهد دراسات الأمن القومي الإسرائيلي والرئيس السابق لفرع إيران في مخابرات الجيش الإسرائيلي، "هناك مشكلة رئيسية واحدة في هذه النظرية: لقد جربناها بالفعل مرارا ولم تستسلم إيران".

وقال مسؤول من منطقة الشرق الأوسط "نحن في حرب استنزاف مع تزايد احتمالات شن هجوم أمريكي إسرائيلي جديد يوما بعد يوم".

وقال مسؤولون إيرانيون لرويترز إن التنازلات المتعلقة ببرنامج الصواريخ أو القدرات النووية أو السيطرة على المضيق ليست أدوات سياسية بل هي ركائز بقاء الجمهورية الإسلامية، وإن التخلي عنها لا يُعد تنازلا بل استسلاما.

وقال سيترينوفيتش إن ذلك يفسر لماذا فشلت حتى المواجهة العسكرية المطولة في إبعاد طهران عن خطوطها الحمراء، ولماذا يستبعد أن ينجح المزيد من التصعيد.

ولم تسفر جولات المحادثات غير المباشرة التي توسطت فيها باكستان عن تقدم يذكر، ولا تزال الفجوات شاسعة.

* كلا الجانبين يرى الوقت وسيلة للضغط

تريد الولايات المتحدة من إيران وقف تخصيب اليورانيوم لمدة 20 عاما وشحن مخزوناتها إلى الولايات المتحدة.

وتطالب إيران بإنهاء الغارات والحصول على ضمانات أمنية وتعويضات عن الحرب والاعتراف بسيادتها على مضيق هرمز، وهي شروط رفضتها واشنطن.

ولم ترد وزارة الخارجية الإيرانية على طلب للتعليق. ولم ترد أيضا وزارة الخارجية الأمريكية حتى الآن على طلب للتعليق على المسائل التي أثيرت في هذا المقال.

وحذر الرئيس الأمريكي دونالد ترامب طهران من أن "الوقت يمر" قائلا إن "من الأفضل لهم أن يتحركوا بسرعة، وإلا لن يتبقى لهم شيء". وهدد بأنه إذا لم تتوصل طهران إلى اتفاق مع واشنطن، فستواجه "أوقاتا عصيبة".

وقال علي فايز من مجموعة الأزمات الدولية إن أيا من الطرفين لم يبد استعدادا لتقديم "التنازلات المؤلمة" اللازمة للتوصل إلى اتفاق. وأضاف "يعتقد كلا الطرفين أن الوقت في صالحهما وأنهما يملكان اليد العليا، وهذا التصور هو بالضبط ما يجعل التوصل إلى اتفاق مستحيلا".

والنتيجة هي حرب يبدي فيها كل طرف مدى قدرته على الصمود وتتمحور حول أحد أهم الممرات المائية في العالم. وكان يمر عبر مضيق هرمز قبل الحرب ما يقرب من 25 بالمئة من تجارة النفط العالمية و20 بالمئة من الغاز الطبيعي المسال. والآن تتزايد التداعيات الاقتصادية مع تعطل الإمدادات جراء إغلاق المضيق شبه الكامل.

وقال آلان إير، المسؤول السابق بوزارة الخارجية الأمريكية المعني بشؤون إيران والذي شارك في محادثات سابقة بين الولايات المتحدة وإيران، إن التوصل إلى اتفاق ربما يكون بعيد المنال.

وأضاف "لن يتوصل هذان الطرفان أبدا إلى اتفاق. لا يريد ترامب الفوز فحسب، بل يريد إهانة إيران وأن ينظر إليه على أنه سحق إيران".

وترى طهران أن مخزونها من اليورانيوم المخصب وسيطرتها على مضيق هرمز أصول استراتيجية أساسية ضرورية للبقاء. وقال مسؤول إيراني كبير "لذلك، فإن إيران مصممة على استخدام هذه الأصول لضمان مصالحها" مضيفا أن الاستسلام ليس خيارا.

وتابع قائلا "نحن نقاتل ونموت لكننا لا نقبل الإذلال. الاستسلام يتعارض بشكل جذري مع هوية إيران".

* تزايد الضغوط على الاقتصاد الإيراني

يقول مسؤول إيراني ثان إن طهران انتصرت بالفعل، لا بهزيمة واشنطن عسكريا، وإنما برفضها الخضوع. ولم تفلح أسابيع من الغارات الأمريكية والإسرائيلية في كسر إرادة إيران، مما عزز وجهة نظرها بأن مخزونها النووي وسيطرتها على مضيق هرمز هما جوهر قوتها الرادعة. ومن شأن التخلي عنهما أن يخل بتوازن القوى.

وأضاف المسؤول "يريد ترامب إعلان النصر، لكن إيران لن تمنحه إياه. هل يستطيع الاقتصاد العالمي تحمل الضغط؟ هذا هو السؤال الذي يدين ترامب للعالم بإجابة عليه".

وقال إن شن مزيد من الهجمات لن يغير حسابات إيران، وإنما سيؤدي فقط إلى تسريع التصعيد، مضيفا أن إيران لن تتخلى عن التخصيب أو تخضع للإنذارات النهائية دون تنازلات من واشنطن.

ومع ذلك، وراء الموقف المتحدي، تصف مصادر إيرانية قريبة من المؤسسة واقعا أكثر تعقيدا، وهو أن طهران لا تريد سيناريو "لا حرب ولا سلام" مطولا مع تسارع التضخم وتفاقم البطالة وتسبب الهجمات على المنشآت الصناعية الرئيسية في نزيف الاقتصاد المنهك بالفعل.

وبدلا من ذلك، قالت المصادر إن إيران تسعى إلى اتفاق أولي لإنهاء الحرب، أي إعادة فتح مضيق هرمز بإشراف إيراني مقابل رفع الحصار الأمريكي، قبل معالجة قضايا أصعب مثل رفع العقوبات والقيود النووية. وتقول الولايات المتحدة إن إنهاء الحرب يجب تأجيله إلى مفاوضات لاحقة.

وفيما يتعلق بالقضية النووية، تقول مصادر إيرانية إن طهران قد تقلص مخزونها البالغ 440 كيلوجراما من اليورانيوم عالي التخصيب أو ترسل جزءا منه إلى الخارج، ويفضل أن يكون إلى روسيا، بحجة أنها قد تستعيده إذا انتهكت واشنطن أي اتفاق. ورفضت واشنطن ذلك.

وأضافت المصادر أن إيران تضغط من أجل وقف التخصيب لفترة أقصر من المدة التي تطالب بها واشنطن وهي 20 عاما، والحصول على حق الوصول الكامل إلى أصول مجمدة بقيمة 30 مليار دولار، لكن واشنطن وافقت فقط على الإفراج عن ربع تلك الأصول وفق إطار زمني.

* محلل: المفاوضات الخيار الوحيد مع غياب الحل العسكري

تسعى طهران إلى آلية حكم جديدة على مضيق هرمز، رافضة العودة إلى الوضع القائم قبل الحرب، في حين تصر الولايات المتحدة على إعادة فتحه دون شروط، أي دون رسوم ودون اعتراض، وهي فجوة قد يكون سدها أصعب من القضية النووية ذاتها.

ويقول آرون ديفيد ميلر، المسؤول الأمريكي السابق والمفاوض في شؤون الشرق الأوسط، إن السيطرة على المضيق ستكون المقياس الرئيسي لنجاح أو فشل واشنطن. وأضاف أن الطريقة التي ستنتهي بها هذه الأزمة قد تحدد سياسة ترامب الخارجية، إذ أن الرئيس الأمريكي حساس للغاية تجاه مغبة أن ينظر إليه على أنه قد خسر.

وأضاف ميلر أن إعادة فتح المضيق دون تسوية سياسية ستتطلب "احتلالا أمريكيا مطولا للأراضي الإيرانية بقوات برية".

ويقول فايز إنه لا يوجد حل عسكري لمضيق هرمز سوى الحل المكلف الذي قد لا يكون ترامب مستعدا لاختياره، مما يجعل المفاوضات السبيل الوحيد القابل للتطبيق.

وقال سيترينوفيتش إن على الرغم من المكاسب المحققة على صعيد العمليات للحملة الأمريكية الإسرائيلية، فإن الضربات فشلت في تحقيق نصر استراتيجي ساحق.

وأضاف "لم نطح بالنظام، وإنما أصبح لدينا نظام أكثر تطرفا. لم نقض على قدرات إيران الصاروخية. وما زالوا يمتلكون اليورانيوم".

وتابع أن المبالغة في تقدير الضغط والتقليل من شأن مرونة طهران ينطوي على مخاطره الخاصة.

وأضاف قائلا "يزيد هذا من خطر دخول واشنطن مرة أخرى في مواجهة وهي تتوقع أن يؤدي الضغط إلى الاستسلام، لتكتشف، بعد فوات الأوان، أن النظام كان مستعدا لتحمل ألم أكبر بكثير مما كان متوقعا".